التقرير العالمي 2026

مراجعتنا السنوية لحقوق الإنسان حول العالم

هل ستنجو حقوق الإنسان في عالم ترامبي؟

توسّع الاستبداد يُهدد النظام القائم على القواعد

منظومة حقوق الإنسان العالمية في خطر محدق. تحت الضغط المستمر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتقويض المستمر من الصين وروسيا، يتعرّض النظام الدولي القائم على القواعد للسحق، مما يهدد بالإطاحة بالمنظومة التي يعتمد عليها المدافعون عن حقوق الإنسان لتعزيز المعايير وحماية الحريات. للتصدي لهذا التوجه، يتعين على الحكومات التي لا تزال تُثمّن حقوق الإنسان، إلى جانب الحركات الاجتماعية والمجتمع المدني والمؤسسات الدولية، تشكيل تحالف استراتيجي ردا على ذلك.

من باب الإنصاف، فإن دوامة التدهور سبقت إعادة انتخاب ترامب. الموجة الديمقراطية التي بدأت قبل أكثر من 50 عاما أفسحت المجال لما يسميه الباحثون "الركود الديمقراطي". وفقا لبعض المقاييس، عادت الديمقراطية الآن إلى مستويات عام 1985، حيث يعيش 72% من سكان العالم حاليا في ظل أنظمة استبدادية. روسيا والصين أقل حرية اليوم مما كانتا عليه قبل 20 عاما. وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة.

بالطبع، الديمقراطية ليست حلا سحريا لانتهاكات حقوق الإنسان؛ فالولايات المتحدة وغيرها من الديمقراطيات العريقة لديها تاريخها الخاص من الجرائم الاستعمارية، والعنصرية، والأنظمة القضائية التعسفية والفظائع التي ارتُكبت في الحروب. في الآونة الأخيرة، استغل القادة الاستبداديون غياب ثقة الشعوب وغضبها للفوز في الانتخابات، ثم فككوا المؤسسات نفسها التي أوصلتهم إلى السلطة. المؤسسات الديمقراطية ضرورية لتمثيل إرادة الشعب والحد من سلطة الحكومات. ليس من المستغرب أنه كلما تقوضت الديمقراطية، تقوضت الحقوق، كما ظهر جليا في السنوات الأخيرة في الهند، وتركيا، والفلبين، والسلفادور، والمجر.

The Momentum Movement’s parliamentary representative David Bedo and independent member of parliament Akos Hadhazy protest against a law that bans Pride marches in Hungary and imposes fines on organizers and attendees of such events, Budapest, March 18, 2025.
University students confront riot police in Istanbul’s Beşiktaş district following the arrest of Istanbul Mayor Ekrem İmamoğlu, March 20, 2025.

(يمين) طلاب جامعيون يواجهون شرطة مكافحة الشغب في حي بشكتاش في إسطنبول عقب اعتقال عمدة إسطنبول إكرم إمام أوغلو، 20 مارس/آذار 2025. © 2025 أوزان كوسيه/أ ف ب عبر غيتي إيمجز؛ (يسار) ديفيد بيدو، ممثل "حركة مومنتوم" في البرلمان، وأكوس هادازي، عضو البرلمان المستقل، يحتجان على قانون يحظر مسيرات الفخر في المجر ويفرض غرامات على منظمي هذه الفعاليات والمشاركين فيها، بودابست، 18 مارس/آذار 2025. © 2025 مارتون مونوس/رويترز

في هذا السياق، يمكن اعتبار العام 2025 نقطة تحوّل. في غضون 12 شهرا فقط، شنت إدارة ترامب هجوما واسعا على الركائز الأساسية للديمقراطية الأمريكية والنظام العالمي القائم على القواعد، وهو النظام الذي ساهمت الولايات المتحدة، على الرغم من التناقضات، مع دول أخرى في إرسائه.

في وقت قصير، قوّضت إدارة ترامب في ولايته الثانية الثقة في قدسية الانتخابات، وقلصت مساءلة الحكومة، وقلصت المساعدات الغذائية وإعانات الرعاية الصحية، وهاجمت استقلال القضاء، وتحدت أوامر المحاكم، وتراجعت عن حقوق المرأة، وعرقلت الحصول على خدمات الإجهاض، وقوضت سبل الانتصاف لمعالجة الأضرار الناتجة عن الانتهاكات العرقية، وأنهت البرامج التي تفرض توفير تسهيلات لذوي الإعاقة، وعاقبت على حرية التعبير، وجردت عابري/ات النوع الاجتماعي وحاملي/ات صفات الجنسين من الحماية، وقوضت الخصوصية، واستخدمت سلطة الحكومة لترهيب المعارضين السياسيين، ووسائل الإعلام، وشركات المحاماة، والجامعات، والمجتمع المدني، وحتى فناني الكوميديا. 

متطوع في فعالية لتوزيع الطعام خارج مبنى بلدية بروكلين في نيويورك، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
متطوع في فعالية لتوزيع الطعام خارج مبنى بلدية بروكلين في نيويورك، 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. © 2025 أنجيلا وايس/أ ف ب عبر غيتي إيمجز

عبر ادعاء وجود خطر "محو حضاري" في أوروبا، واعتمادا على قوالب نمطية عنصرية لتصوير شعوب بأكملها على أنها غير مرحب بها في الولايات المتحدة، تبنت إدارة ترامب سياسات وخطابا يتماشى مع أيديولوجية القومية البيضاء. تعرض المهاجرون وطالبو اللجوء لظروف غير إنسانية ومعاملة مهينة؛ توفي 32 شخصا أثناء احتجازهم لدى جهاز الهجرة والجمارك الأمريكي (المعروف بـ "آيس") في 2025، وحتى منتصف يناير/كانون الثاني 2026، توفي أربعة آخرون. استهدف أمن الهجرة المقنعين الأشخاص ذوي البشرة الملونة، مستخدمين القوة المفرطة، ومروِّعين المجتمعات المحلية، واعتقلوا عشرات المواطنين دون وجه حق، ومؤخرا، قتلوا شخصين في مينيابوليس، وثّقت هيومن رايتس ووتش وفاتهما.

طالبة لجوء حامل تهدئ طفلتها البالغة من العمر عامين داخل غرفة الفندق التي تعيش فيها مع أطفالها بعد ترحيل زوجها إلى نيكاراغوا، في ميامي، فلوريدا، 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
طالبة لجوء حامل تهدئ طفلتها البالغة من العمر عامين داخل غرفة الفندق التي تعيش فيها مع أطفالها بعد ترحيل زوجها إلى نيكاراغوا، في ميامي، فلوريدا، 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2025. © 2025 ريبيكا بلاكويل/أ ب فوتو

يتمتع الرئيس الأمريكي بالطبع بسلطة تشديد الرقابة على الحدود الأمريكية وفرض سياسات هجرة أكثر صرامة. لكن الإدارة لا يحق لها حرمان طالبي اللجوء من الإجراءات القانونية أو إساءة معاملة المهاجرين غير المسجلين أو التمييز غير القانوني. في الديمقراطيات السليمة، ينبغي ألا يعلو أي تفويض انتخابي فوق التشريعات المحلية أو تدابير الحماية المنصوص عليها في الدستور أو القانون الدولي لحقوق الإنسان. لكن فريق ترامب تجاوز هذه الضوابط مرارا وتكرارا.

لم تتوقف الانتهاكات عند الحدود. فقد استخدمت إدارة ترامب قانونا يعود إلى 1798 لإرسال مئات المهاجرين الفنزويليين إلى سجن سيئ الصيت في السلفادور، حيث تعرضوا للتعذيب والاعتداء الجنسي. كما أسفرت هجماتها غير القانونية الفاضحة على قوارب في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ عن مقتل أكثر من 120 شخصا خارج نطاق القضاء، يزعم ترامب أنهم كانوا مهربي المخدرات.

بعد أن هاجمت الولايات المتحدة فنزويلا واعتقلت رئيسها نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، ادعى ترامب أن الولايات المتحدة ستدير البلاد وتسيطر على احتياطياتها النفطية الهائلة. على الرغم من التظاهر بالاهتمام بقضايا حقوق الإنسان في عهد مادورو في "الأمم المتحدة"، عمل ترامب مع الجهاز القمعي نفسه لتعزيز مصالح الولايات المتحدة. اختار العديد من الحلفاء الغربيين التزام الصمت بشأن هذه الإجراءات غير القانونية، ربما خوفا من الرسوم الجمركية المتقلبة والتداعيات السلبية على تحالفاتهم.

قلبت سياسة ترامب الخارجية أسس النظام القائم على القواعد الذي يسعى إلى تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، حتى لو كان ذلك بشكل غير كامل.

رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون يتحدث إلى الصحفيين بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث حول الضربات العسكرية الأمريكية على قوارب فنزويلية يشتبه أنها تنقل المخدرات، واشنطن، 16 ديسمبر/كانون الأول 2025.
رئيس مجلس النواب الأمريكي مايك جونسون يتحدث إلى الصحفيين بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الدفاع بيت هيغسيث حول الضربات العسكرية الأمريكية على قوارب فنزويلية يشتبه أنها تنقل المخدرات، واشنطن، 16 ديسمبر/كانون الأول 2025. © 2025 سامويل كوروم/سيبا يو إس إيه عبر أ ب فوتو

تفاخر ترامب بأنه ليس "بحاجة إلى القانون الدولي" كرادع، بل إنه يعتمد فقط على "أخلاقه الشخصية". سيَّست إدارته التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن حقوق الإنسان، و تراجعت عن الحظر العالمي على الألغام الأرضية المضادة للأفراد، وأعربت عن دعمها لإعادة صياغة القواعد الدولية بشأن اللجوء، وتجاهلت "الاستعراض الدوري الشامل" الأممي للسجل الحقوقي الأمريكي. 

انسحبت إدارته من "مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة" و"منظمة الصحة العالمية"، وتنوي الانسحاب من 66 منظمة وبرنامجا دوليا تصفها بأنها جزء من "نموذج عفا عليه الزمن للعمل متعدد الأطراف"، بما يشمل المحافل الرئيسية لمفاوضات المناخ. قوضت الإدارة أيضا برامج المساعدات الأمريكية التي كانت بمثابة شريان الحياة للأطفال وكبار السن ومن يحتاجون إلى رعاية صحية، والمثليين/ات ومزدوجي/ات التوجه الجنسي وعابري/ات النوع الاجتماعي (مجتمع الميم-عين)، والنساء، والمدافعين عن حقوق الإنسان، وحجبت معظم اشتراكاتها في الأمم المتحدة. 

كما شجّع ترامب المستبدين وقوض الحلفاء الديمقراطيين. وبينما كان يوبّخ بعض القادة المنتخبين في أوروبا الغربية، أعرب هو وكبار المسؤولين عن إعجابهم باليمين المتطرف الأوروبي. فضّل كذلك الحكام المستبدين مثل رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، والرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، ورئيس السلفادور نجيب أبو كيلة، مع استمرار الدعم الأمريكي القائم منذ عقود لولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. 

فرضت إدارته عقوبات غير مبررة لمعاقبة منظمات حقوقية فلسطينية محترمة، والمدعي العام لـ"المحكمة الجنائية الدولية" والعديد من قضاتها، ومقررة خاصة للأمم المتحدة، ولعدة أشهر، قاض في المحكمة العليا البرازيلية وزوجته.

كان رد الفعل المؤسسي في الولايات المتحدة على استحواذ ترامب على السلطة صامتا بشكل صادم. لم يعترض معظم أعضاء "الكونغرس"، الذي يسيطر عليه حزبه، على توسعه المفرط في سلطاته التنفيذية. قدم قادة أقوى شركات التكنولوجيا في الولايات المتحدة تبرعات كبيرة وسعوا إلى استرضاء الرئيس. أبرمت بعض شركات المحاماة الكبرى والجامعات المرموقة صفقات بدلا من تأكيد استقلاليتها، ويبدو أن بعض المؤسسات الإعلامية تخشى إثارة غضب الرئيس.

هل غيّرت الولايات المتحدة موقفها بشأن حقوق الإنسان؟ في حين أن تعامل الولايات المتحدة مع مؤسسات حقوق الإنسان كان دائما انتقائيا، إلا أن الصين وروسيا تبنتا منذ فترة طويلة أجندة معادلية للحريات. وهما المستفيد الأكبر من وجود من حكومة أمريكية تعبّر الآن عن عداء صريح للحقوق العالمية. لا تزال الصين وروسيا منافستين استراتيجيتين للولايات المتحدة، لكن الدول الثلاث يقودها الآن زعماء يجمعهم ازدراء صريح للمعايير والمؤسسات التي يمكن أن تقيّد سلطتهم.

وهم يتمتعون معا بقوة اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية كبيرة. وإذا ما تصرفوا باستمرار كحلفاء مصلحة لتقويض القواعد العالمية، فقد يهددون النظام برمته. وهناك أصلا شبكة دولية فضفاضة تضم دولا مثل كوريا الشمالية وإيران وفنزويلا وميانمار وكوبا وبيلاروسيا تعمل بالتنسيق مع روسيا والصين. لا يجمع بين هؤلاء القادة سوى القليل من الناحية الأيديولوجية، لكنهم متفقون على تقويض حقوق الإنسان وتعزيز أجندة دولية رجعية. بالقول والفعل، تساعدهم الحكومة الأمريكية الآن في هذا المسعى.

Surveillance cameras installed in Lhasa, Tibet Autonomous Region, June 27, 2025. 
A television in a restaurant in Hong Kong shows a missile being launched during military exercises being held by China around the island of Taiwan, August 5, 2022.

(يمين) تلفزيون في مطعم في هونغ كونغ يعرض إطلاق صاروخ خلال مناورات عسكرية تجريها الصين حول جزيرة تايوان، 5 أغسطس/آب 2022. © 2022 آيزاك لورانس/أ ف ب عبر غيتي إيمجز؛ (يسار) كاميرات مراقبة في لاسا، إقليم التبت ذاتي الحكم، 27 يونيو/حزيران 2025. © 2025 كيودو نيوز عبر غيتي إيمجز

كما أن إضعاف الولايات المتحدة للمؤسسات متعددة الأطراف وجّه ضربة قوية للجهود العالمية الرامية إلى منع الجرائم الدولية الجسيمة أو وقفها. حركة "لا تكرار لما حدث"، التي ولِدت من أهوال "الهولوكوست"، وانبعثت من جديد عقب الإبادة الجماعية في رواندا والبوسنة، دفعت "الجمعية العامة للأمم المتحدة" إلى تبني مبدأ "مسؤولية الحماية" في 2005. وكان الهدف من مبدأ مسؤولية الحماية هو توجيه التدخل الدولي لمنع ووقف الفظائع بالتزامن مع الجهود المبذولة لمقاضاة ومعاقبة الجرائم الخطيرة، وقد أحدث هذا المبدأ فارقا حقيقيا في أماكن مثل جمهورية أفريقيا الوسطى وكينيا.

اليوم، نادرا ما يتم الاحتجاج بمبدأ مسؤولية الحماية، و ترزح المحكمة الجنائية الدولية تحت الحصار. بالإضافة إلى العقوبات الواسعة التي فرضها ترامب، حكمت محكمة في موسكو في ديسمبر/كانون الأول 2025 على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وثمانية من قضاتها بالسجن غيابيا. علاوة على ذلك، على الرغم من كونهم هاربين من المحكمة الجنائية الدولية، في 2025، استقبل دونالد ترامب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا وسافر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى المجر، التي كانت دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية في ذلك الوقت، بدعوة من أوربان.

قبل 20 عاما، لعبت الحكومة والمجتمع المدني الأمريكي دورا أساسيا في حشد الرد على الفظائع الجماعية في دارفور. السودان يحترق مرة أخرى، لكن هذه المرة في عهد ترامب، مع إفلات نسبي من العقاب. "قوات الدعم السريع" السودانية، التي انبثقت من الميليشيات التي قادت حملة التطهير العرقي السابقة، ترتكب مرة أخرى جرائم قتل واغتصاب على نطاق واسع. تشير أدلة متزايدة إلى أن الإمارات، وهي الحليف القديم للولايات المتحدة والتي أبرمت مؤخرا صفقات بمليارات الدولارات مع ترامب، تقدم الدعم العسكري لقوات الدعم السريع.

في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ارتكب الجيش الإسرائيلي أفعال الإبادة الجماعية وتطهيرا عرقيا وجرائم ضد الإنسانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 70 ألف شخص منذ هجمات "حماس" على إسرائيل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتهجير الغالبية العظمى من سكان غزة. قوبلت هذه الجرائم بإدانة عالمية متفاوتة وتحركات غير كافية على الإطلاق. ردا على ذلك، أوقفت بعض الدول أو علقت مؤقتا مبيعات الأسلحة إلى إسرائيل أو فرضت عقوبات على وزراء إسرائيليين. لكن ترامب واصل سياسة الولايات المتحدة القائمة منذ أمد طويل والمتمثلة في تقديم دعم غير مشروط تقريبا لإسرائيل، حتى في الوقت الذي تنظر فيه "محكمة العدل الدولية" في مزاعم الإبادة الجماعية وأصدرت أوامر ملزمة بموجب "اتفاقية منع الإبادة الجماعية" لحماية حقوق الفلسطينيين.

في فبراير/شباط، أعلن ترامب عن خطة أمريكية مقلقة لتحويل غزة إلى "ريفييرا الشرق الأوسط" خالية من الفلسطينيين، وهو ما سيكون بمثابة تطهير عرقي. مع تعثر تنفيذ خطة ترامب للسلام المكونة من 20 نقطة، فاقمت الإدارة استلاب الفلسطينيين من خلال تقاعسها عن الاحتجاج علنا على قتل إسرائيل المنتظم لأولئك الذين يقتربون من "الخط الأصفر" الذي يقسم غزة حاليا، ومواصلة هدمها لمنازل الفلسطينيين، وفرضها قيودا غير قانونية على المساعدات الإنسانية.

A Palestinian girl stands amidst rubble in Jabalia in the northern Gaza Strip, April 14, 2025.
Palestinians inspect a house demolished by Israeli military forces in the town of Qabatiya in the Israeli occupied West Bank, July 17, 2025.

(يمين) فلسطينيون يتفقدون منزلا دمرته القوات الإسرائيلية في بلدة قباطية بالضفة الغربية المحتلة، 17 يوليو/تموز 2025. © 2025 ناصر اشتيه/سوبا إيمجز /لايتروكت عبر غيتي إيمجز؛ (يسار) فتاة فلسطينية تقف وسط الأنقاض في جباليا شمالي قطاع غزة، 14 أبريل/نيسان 2025. © 2025 بشار طالب/أ ف ب عبر غيتي إيمجز

في أوكرانيا، قللت جهود ترامب للسلام باستمرار من مسؤولية روسيا عن الانتهاكات الجسيمة. وتشمل هذه الانتهاكات القصف العشوائي، وإجبار الأوكرانيين في المناطق المحتلة على الخدمة في الجيش الروسي، والتعذيب المنهجي لأسرى الحرب الأوكرانيين، واختطاف الأطفال الأوكرانيين وترحيلهم إلى روسيا، واستخدام مسيّرات "كوادكابتر" لمطاردة المدنيين وقتلهم. بدلا من ممارسة ضغط حقيقي على بوتين لإنهاء هذه الجرائم، انتقد ترامب علنا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في توبيخ استعراضي متعمد أمام الكاميرات، وطالب بصفقة استغلالية بشأن المعادن، وضغط على السلطات الأوكرانية للتنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي، واقترح "عفوا شاملا" عن جرائم الحرب.

الرسالة واضحة: في عالم ترامب الجديد الفوضوي، القوة هي الحق، والفظائع لا تشكل عائقا.

مع تقويض الولايات المتحدة للمنظومة العالمية لحقوق الإنسان، من سيهبّ للدفاع عن هذه المنظومة؟ على الرغم من الخطب الرنانة، تُعامل العديد من الحكومات الحقوق وسيادة القانون على أنها عائق، وليس ميزة، للأمن والنمو الاقتصادي. يفترض أن "الاتحاد الأوروبي" وكندا وأستراليا تتردد في اتخاذ موقف خوفا من استعداء الولايات المتحدة والصين. وتضعف دول أخرى بسبب الطريقة التي حرفت بها الأحزاب السياسية ذات الميول المعادية للحريات سياساتها الداخلية وخطابها بعيدا عن النهج الذي يحترم الحقوق. في أجزاء كثيرة من أوروبا الغربية، بما يشمل المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا، يقبل العديد من الناخبين بسرور القيود المفروضة على حقوق "الآخرين"، سواء كانوا مهاجرين أو نساء أو أقليات عرقية وإثنية أو أفرادا من مجتمع الميم-عين أو فئات مهمشة أخرى. لكن كما تشهد أحداث التاريخ، فإن المستبّدين الطموحين لا يتوقفون أبدا عند حدود "الآخرين".

لسد هذه الفجوة، هناك حاجة ملحة إلى تحالف عالمي جديد لدعم حقوق الإنسان الدولية ضمن نظام قائم على القواعد. فُرادى، قد يسهل سحق هذه الدول بفعل النفوذ العالمي للولايات المتحدة والصين، لكنها مجتمعة يمكن أن تصبح قوة سياسية مؤثرة وكتلة اقتصادية كبرى. والمشاركون البديهيون في هذا التحالف عبر الإقليمي سيكونون من الديمقراطيات العريقة ذات الثقل الاقتصادي والجيوسياسي الكبير، بما يشمل، على سبيل المثال لا الحصر، أستراليا والبرازيل وكندا واليابان وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي كمؤسسة والعديد من دوله الأعضاء.

من الأهمية بمكان أن ننظر إلى ما بعد الأطراف المعتادة؛ فقد بُني النظام متعدد الأطراف طوبة طوبة من قبل دول من جميع المناطق على مدى عقود. لعبت دول مثل كوستاريكا وغانا وماليزيا والمكسيك والسنغال وسيراليون وفانواتو أدوارا مهمة في مبادرات محددة لحقوق الإنسان في المحافل الدولية الرئيسية. كان للدبلوماسيين المبدعين من دول أصغر مثل ليختنشتاين وغامبيا دور أساسي في تعزيز العدالة الدولية. وينبغي الاعتراف بأن دعم حقوق الإنسان لم يأتِ قط من الديمقراطيات القوية أو الدول التي تتمتع بأقوى سجلات حقوقية محلية.

نظريا، قد تكون الهند، التي طالما اعتُبرت أكبر ديمقراطية في العالم، عضوا رئيسيا في هذا التحالف العالمي، نظرا إلى دورها السابق في معارضة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا والدفاع عن حقوق الأقليات في التبت وسريلانكا. لسوء الحظ، في ظل إدارة ناريندرا مودي التي تروّج بشكل حثيث لفرض أغلبية هندوسية، لا يمكن للهند أن تقدم نفسها على أنها مدافعة عن حقوق الإنسان. بينما تقمع السلطات الهندية المعارضين السياسيين، وتستهدف الأقليات، وخاصة المسلمين والمسيحيين، وتفرض الرقابة على الأصوات المستقلة، وتحظر الكتب، وترتكب فظائع في عمليات مكافحة التمرد، من غير المرجح، في الوقت الراهن، أن تجد الهند جدوى في تعزيز نظام قد يُستخدم ضدها يوما ما.

مع ذلك، استهدفت إدارة ترامب الهند أيضا بسبب شرائها النفط الروسي، وتعتبرُ الهند الصين، التي اشتبكت معها حول حدودهما المشتركة، منافسا استراتيجيا. وقد تجد الحكومة الهندية، التي اختارت تاريخيا وضع "عدم الانحياز"، أن تحسين سجلها الحقوقي للانضمام إلى الديمقراطيات الأخرى قد يساعد في حمايتها من القوى العظمى العدوانية.

سيكون هذا التحالف الجديد القائم على الحقوق أيضا كتلة تصويتية قوية في الأمم المتحدة. يمكنه الالتزام بالدفاع عن استقلالية آليات الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ونزاهتها، وتوفير الدعم السياسي والمالي، وبناء تحالفات قادرة على تعزيز المعايير الديمقراطية، حتى في حالة معارضة القوى العظمى.

لن يحصل حشد فعال للحكومات لتشكيل مثل هذا التحالف دون مشاركة استراتيجية من المجتمع المدني والمجموعات الشعبية داخل تلك البلدان التي يمكنها المساعدة في جعل السياسة الخارجية القائمة على الحقوق في صدارة الأولويات. سيتعين إقناع هذه الحكومات بأن لها مصلحة ومسؤولية في حماية النظام القائم على القواعد.

وهناك مشاريع من هذا النوع بدأت تتبلور بالفعل. فقد استضافت تشيلي، التي كانت تتبع سياسة خارجية قائمة على المبادئ وتركز على الحقوق في عهد الرئيس غابرييل بوريك، في يوليو/تموز 2025 قمة على مستوى الرؤساء بعنوان "الديمقراطية إلى الأبد"، تعهد فيها قادة من إسبانيا وأوروغواي وكولومبيا والبرازيل بالانخراط في "دبلوماسية ديمقراطية فاعلة" قائمة على القيم المشتركة.

تشكلت "مجموعة لاهاي" بقيادة ماليزيا وجنوب أفريقيا وكولومبيا، في يناير/كانون الثاني 2025، "للدفاع عن القانون الدولي" وتضامنا مع الفلسطينيين. وقّعت أكثر من 70 دولة من جميع الأقاليم على بيان مشترك يدافع عن التعددية في الأمم المتحدة. وفي وقت سابق، في 2017، أنشأ رئيس الوزراء الدنماركي السابق أندرس فوغ راسموسن "مؤسسة تحالف الديمقراطيات" لحشد الصفوف المتناقصة للدول الديمقراطية من أجل "دعم بعضها البعض في مواجهة الضغوط الاستبدادية".

مسؤولون من بليز وكولومبيا وهولندا وهندوراس والسنغال في مؤتمر صحفي لـ "مجموعة لاهاي"، نظمته "المنظمة الدولية التقدمية"، في لاهاي، هولندا، 31 يناير/كانون الثاني 2025.
مسؤولون من بليز وكولومبيا وهولندا وهندوراس والسنغال في مؤتمر صحفي لـ "مجموعة لاهاي"، نظمته "المنظمة الدولية التقدمية"، في لاهاي، هولندا، 31 يناير/كانون الثاني 2025. © 2025 بيير كروم/غيتي إيمجز

أيا كانت أطره التفصيلية، فإن تحالف الديمقراطيات التي تحترم الحقوق سيقدم نموذجا باعثا على الأمل يستبدل الصورة النمطية الاستبدادية لقادة الصين وروسيا وهم يقفون إلى جانب كيم جونغ أون زعيم كوريا الشمالية، ويحضرون عرضا عسكريا في ميدان تيانانمن في بكين في سبتمبر/أيلول. إذا كانت الفيلسوفة هانا أرندت محقة في أن التاريخ هو نضال مستمر بين الحرية والاستبداد، فإن الاستبداد بدا واثقا في العام 2025.

مع ذلك، تظل فكرة الحرية وحقوق الإنسان صامدة حتى في أحلك الأوقات. تظل قوة الشعوب محركا للتغيير. في الولايات المتحدة، جذبت مسيرات "لا ملوك" الملايين، ووقف المتظاهرون في شيكاغو ومينيابوليس وجميع أنحاء البلاد ضد نشر "الحرس الوطني" وانتهاكات آيس، ولا يزال الطلاب ينظمون فعاليات من أجل فلسطين في الجامعات على الرغم من القمع الوحشي وإلغاء التأشيرات.

مدعومين بالمقاومة الشعبية، عزل أعضاء البرلمان الكوري الجنوبي رئيسهم لمنعه من الاستيلاء على السلطة من خلال فرض الأحكام العرفية. تمثل جهود الإغاثة الشعبية التي بذلتها غرف الاستجابة للطوارئ في السودان، وإغاثة الحرائق في هونغ كونغ، والمطابخ المجتمعية لإغاثة ضحايا الإعصار في سريلانكا، وتعاونيات المساعدة المتبادلة والتضامن الأوكرانية أسمى صور هذا التوجه.

لاجئون سودانيون من مخيم زمزم في جوار الفاشر، في دارفور، يتلقون الطعام في مطبخ مجتمعي (تكية) تابع لـ "غرف الطوارئ" أثناء نقلهم إلى مخيم أردمي في تين، شرق تشاد، 4 مايو/أيار 2025.
لاجئون سودانيون من مخيم زمزم في جوار الفاشر، في دارفور، يتلقون الطعام في مطبخ مجتمعي (تكية) تابع لـ "غرف الطوارئ" أثناء نقلهم إلى مخيم أردمي في تين، شرق تشاد، 4 مايو/أيار 2025. © 2025 لينسي أدّاريو/غيتي إيمجز

في 2025، سلطت احتجاجات "جيل زد" ضد الفساد وعدم كفاية الخدمات العامة وسوء الإدارة في نيبال وإندونيسيا والمغرب الضوء على ضرورة أن تستمع الحكومات إلى شبابها وتُعالج الفساد وعدم المساواة. لكن كما توضح الصعوبات التي تواجه استعادة الحقوق في بنغلاديش بعد سنوات من الحكم الاستبدادي، فإن المكاسب التي تُنتزع من خلال التعبئة الشعبية قد تضيع بسهولة ما لم تظل المشاركة الديمقراطية وحرية التعبير في مأمن.

في هذا العالم الأكثر عدائية، أصبح المجتمع المدني أكثر أهمية من أي وقت مضى. لكنه أيضا مهدد بشكل متزايد، لا سيما في بيئة تعاني من ندرة التمويل. في 2025، صُنّفت "هيومن رايتس ووتش" على أنها "غير مرغوب فيها" ومُنعت من العمل في روسيا. بالنسبة للشركاء في مصر وهونغ كونغ والهند، هذه التكتيكات مألوفة للغاية. أصبحت القيود على المجتمع المدني والاحتجاجات أكثر شيوعا في أوروبا، بما يشمل المملكة المتحدة وفرنسا. والآن، ولأول مرة، يساور القلق الكثيرين إزاء المخاطر المرتبطة بوجود عملياتهم في الولايات المتحدة، حيث تعرضت مؤسسة "المجتمع المفتوح"، وهي أحد المانحين الرئيسيين، للتهديد بالفعل، وتستعد الإدارة لإعداد قائمة بـ"الإرهابيين المحليين" بموجب توجيهات فضفاضة للغاية يمكن تفسيرها على أنها تشمل عمل العديد من المنظمات التقدمية.

كسر موجة الاستبداد والدفاع عن حقوق الإنسان هو تحدي العصر. في 2026، سيتجلى هذا التحدي بأقصى صوره في الولايات المتحدة، مع تداعيات واسعة النطاق على بقية العالم. ستتطلب مواجهة هذا التحدي رد فعل حازما واستراتيجيا ومنسقا من الناخبين، والمجتمع المدني، والمؤسسات متعددة الأطراف، والحكومات التي تحترم الحقوق في جميع أنحاء العالم.

وصف الصور الرئيسية

(من اليسار) الصورة الأولى: رجل يحمل زهرة ورسالة "الإنسانية للجميع" بينما يحمي جنود مشاة البحرية الأمريكية والحرس الوطني مدخل مبنى فيدرالي خلال احتجاج "لا ملوك" الذي أعقب عمليات الهجرة الأمريكية، في لوس أنجلس، كاليفورنيا، في 4 يوليو/تموز 2025. © 2025 إيتيين لوران عبر غيتي إيمجز؛ الثانية: طبيبة وقابلة تساعدان مريضة حامل في قسم الولادة بمستشفى إقليمي بعد إغلاق المستشفيات الأخرى بسبب خفض التمويل الأمريكي في محافظة غزني، أفغانستان، 26 أغسطس/آب 2025. © 2025 إيليز بلانشار/غيتي إيمجز؛ الثالثة: سيباستيان لاي، نجل رجل الأعمال والمنتقد الجريء للحكومة الصينية جيمي لاي، يتحدث خلال مؤتمر صحفي أمام مقر رئيس الوزراء البريطاني في لندن في 15 سبتمبر/أيلول 2025. © 2025 هنري نيكولز/أ ف ب عبر غيتي إيمجز؛ الرابعة: شخصان من السكان المحليين يمران أمام موقع غارة جوية روسية دمرت مبنى سكنيا في كراماتورسك، أوكرانيا، 31 يوليو/تموز 2025. © 2025 يفيين تيتوف/أب فوتو

"التقرير العالمي 2026"، وهو التقرير السنوي الـ 36 لـ "هيومن رايتس ووتش" حول ممارسات حقوق الإنسان واتجاهاتها في جميع أنحاء العالم، يستعرض التطورات في أكثر من 100 دولة.